محمد بن جرير الطبري
161
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن بني آدم يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء ، فقالوا له : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ الله : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فهذا الذي أبدوا ، وأعلم ما كنتم تكتمون ، يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر . قال أبو جعفر : فهذا الخبر أوله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل ، وموافق معنى آخره معناها ؛ وذلك أنه ذكر في أوله أن الملائكة سألت ربها : ما ذاك الخليفة ؟ حين قال لها : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فأجابها أنه تكون له ذرية يفسدون في الأَرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا . فقالت الملائكة حينئذ : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فكان قول الملائكة ما قالت من ذلك لربها بعد إعلام الله إياها أن ذلك كائن من ذرية الخليفة الذي يجعله في الأَرض ، فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه . وأما موافقته إياه في آخره ، فهو قولهم في تأويل قوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن بني آدم يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء . وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك ، تبريا من علم الغيب : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وهذا إذا تدبره ذو الفهم ، علم أن أوله يفسد آخره ، وأن آخره يبطل معنى أوله ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذي يجعله في الأَرض تفسد فيها وتسفك الدماء ، فقالت الملائكة لربها : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأَرض ويسفك الدماء بمثل الذي أخبرها عنهم ربها ، فيجوز أن يقال لها فيما طوي عنها من العلوم إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأَمور ، فأخبرتم به ، فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه ، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه . بل ذلك خلف من التأويل ، ودعوى على الله ما لا يجوز أن يكون له صفة . وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على من رواه عنه من الصحابة ، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العلم بخبري إياكم أن بني آدم يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء ، حتى استجزتم أن تقولوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فيكون التوبيخ حينئذ واقعا على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم : إنه يكون له ذرية يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء ، لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن . وذلك أن الله جل ثناؤه وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرية خليفته في الأَرض ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء ، فقد كان طوى عنهم الخبر عما يكون من كثير منهم ما يكون من طاعتهم ربهم وإصلاحهم في أرضه وحقن الدماء ورفعه منزلتهم وكرامتهم عليه ، فلم يخبرهم بذلك ، فقالت الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ على ظن منها على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرت ، وظاهرهما أن جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأَرض يفسدون فيها ويسفكون